قصة من كتاب أمهات ومؤثرون

قصة من كتاب أمهات ومؤثرون

الملكة:
كان في دمشق من نحو أربعين سنة عالم جليل القدر ، كريم اليد ،موفور الرزق ، داره مفتوحة للأقرباء والضيوف وطلبة العلم ، وموائده ممدودة ، لما ضاق الناس في الحرب العالمية الأولى ، وسع الله بفضله عليه ، فلم يعرف الضيق ، وكان من ذوي المناصب الكبار ، والمكانة في الناس .
ونشأ أولاده في هذا البيت ، لا يعرفون ذل الحاجة ، ولا لذعة الفقر ، ولكنهم أصبحوا يوماً- من أيام سنة 1925م-الولد الكبير البالغ من العمر ست عشرة سنة ، وإخوة له تتراوح أعمارهم بين عشر وبين شهر ، فإذا بالوالد قد توفي !

وارتفع الستر ، فإذا بالتركة ديون للناس ، فباعوا أثاث الدار كله ليوفوا الدين ، ثم تركوا الدار الفسيحة في الصالحية ، ونزلوا تحت الرصاص – وكانت أيام الثورة – يفتشون عن دار يستأجرونها .... أعني كوخاً ... زريبة بهائم ، مخزن تبن في حارة الدعيجية ، هل سمعت بها؟ في آخر العقيبة ، قرب المكان الذي يسميه الناس من التوائه والضيق ( محل ما ضيع القرد ابنه ) هذا هو اسمه .

في غرفتين من اللبن والطين ، في ظل دار عالية لأحد موسري الحارة ، تحجب عن الغرفتين الشمس والضياء ، فلا تراهما الشمس قط ، ولا يستطيع أن يدخلهما الضوء ، ليس فيهما ماء إلا ماء ساقية وسنحة عرضها شبران وعمقها أصبعان ، تمشي مكشوفة من ( تورا ) في الصالحية إلى هذه الحارة ، تتلقى في هذا الطريق الطويل كل ما يلقى فيها من الخيرات الحسان . وليس فيها نور إلا نور مصباح كاز ، نمرة ثلاثة ... يضيء تارة ( ويشحر ) تارات ... والسقف من خشب عليه طين ، إن مشت عليه هرة ارتج واضطرب ، وإن نزلت عليه قطرة مطر وكف و(سرب).

هناك على أربعة فرش مبسوطات على الأرض متجاورات ، ما تحتهن سرير، تغطيهن البسط والجلود ، كان ينام هؤلاء الأولاد الذين ربوا في النعيم ، وغذوا بلبان الدلال ، تسهر عليهم أم ، حملت ما لم تحمله أم ، تدرأ عنهم سيل البق الذي يغطي الجدران ، وأسراب البعوض التي تملأ الغرفة، والماء الذي ينزل من السقف ، تظل الليل كله ساهرة تطفئ بدمع القلب حرق القلب ، تذكر ما كانت فيه وما صارت إليه ، والأقرباء الموسرين الذين لم يكونوا يخرجون من دار الوالد ، كيف تخلو عن الأولاد وأنكروهم ؟ حتى جاؤوا يوماً يزورون جار الدار الموسر يهنئونه بالعيد ، ولم يطرقوا والله عليهم الباب ، لم يعنها أحد ولم يسعدها إلا أخ لها في مصر أمدها بجنيهات مصرية قليلة لم يكن يطيق أكثر منها .

في هذا الجو أقبل الولد وإخوته على الدرس والتحصيل ... وكانت أطراف البلد للثوار ، ليس للفرنسيين إلا وسط المدينة ، فكانوا يمرون على الموت في طريقهم إلى المدرسة ، كل يوم يخترقون جبهة الحرب – الاستحكامات – القائمة أمام جامع التوبة ، وصبروا ووثقوا بالله ووفقهم حتى صاروا ...

صار الولد الثاني قاضياً ، وصار أديباً وشاعراً مصنفاً ، والثالث أستاذاً كبيراً في الجامعة ، وأول من حمل لقب دكتور في الرياضيات في سورية ، والرابع مدرساً موفقاً وداعية وأديباً ، أما الولد الأكبر فشيخ ذو علم وصيت.